الرئيسية » كتاب الموقع » الوطن يسع لكل الأطياف

الوطن يسع لكل الأطياف

عندما يُعلّم الجهل في المدارس، ويُلقن الكره في المساجد، فإنه من البديهي جدا أن يُخشى الإختلاف ويُرفض، ويُعتبر الرأي الآخر انفصالا ويُنبذ وتوصف المطالبة بالحقوق ثورة وتُهجر. حينئذ يعتبر التفكير كفرا، والنقد تمردا، وإبداء الرأي خروجا عن الطاعة.

ولا عجب بعد ذلك، إن حكم القضاة بالظلم، أو تاجر العلماء في العلم، أو ناب عن الأمة من يشرّع لوأد أفكار التنوير، أو كان في التنفيذ من يغتال الطموح ويخطط للنكوص.

إن المجتمعات تبنى تماما كما تشيد القصور. كلما كانت أسسها متينة، وأعمدتها قوية، وجدرانها متماسكة، استطاعت الصمود أمام العواصف والهزات مهما بلغت درجة قوتها. تماما كمن راهن على تكوين الإنسان، وإعمال العقل والمنطق في التربية، وتوسل العلم والمعرفة في الإرتقاء، ونهج الحرية والديموقراطية ومبدإ العدل والحق والواجب في المقاربة. على العكس من ذلك، كلما نُحتت البنايات من جليد تبدأ في الذوبان مع ظهور أولى أشعة الشمس عند طلوع النهار، في مقارنة بمجتمع مسلوب الفكر والإرادة، أفراده في معظمهم لا يفكرون قبل التصرف، ولا يحللون الوقائع والأحداث قبل إطلاق الأحكام، ينتظرون- فقط- تعليمات من يفكر لهم، ينأون بأنفسهم عن فهم المقصود من أوامره، ويطبقون بالحرف ما يؤمرون. خلقوا وصنعوا للتبرير والإستعمال والإستغلال، ربوهات في مظهرها بشر يتنفس، وفي جوهرها آلات تبرمج وتستعمل.

ويكمن الإشكال العويص في وجود مثل هؤلاء في المجتمع نفسه إلى جانب من لهم غيرة على الوطن. من يضطلعون إلى غد أفضل ويتوقون إلى واقع أحسن. يكدحون ويجتهدون، يناضلون ويُقمعون، يعيشون الغربة في بلدهم، يخيفهم كل مكروه قد يصيبه، ويحزنهم أي أذى قد يلحق به. يعانون الأمرين من الوضع الذي يعيشون فيه مكرهين ومن عرقلة من يَحيون في جهلهم بالمآسي التي يعيشونها في حاضرهم وتنتظرهم أقسى منها في مستقبلهم.

أفراد شعب واحد، كُبل بعضهم من الصغر عن طريق الإخضاع والتدجين، وقيد البعض الآخر بأمر الواقع وشروط العيش. أشقة في الوطن، أريد لهم أن تتربص بهم المحن وتحوم من حولهم المخاطر، يحز في أنفسهم ما آلت إليه شعوب شقيقة من دول الجوار ويخشون الإنزلاق إلى نفس المآل.

أما من يوجدون خلف الستار، أعداء الوطن و الشعب على السواء، أولئك الذين بين أيديهم آلة التحكم، فكثير منهم يتوفرون على جنسيات مختلفة، و في حوزتهم جوازات سفر متعددة، على غرار شركات متعددة الجنسيات (طرانسناسيونال). لا يهتمون سوى بخدمة مصالحهم الشخصية و تنمية رساميلهم الطائلة. وطنهم ، كما يزعمون، هو الثروة التي يراكمونها. يفيدهم تخلف الشعب وفقره، لأنه بذلك يكون رهن إشارتهم وتحت رحمتهم، ويعملون من أجل ذلك، بالتدخل مباشرة أو عبر قنوات يفتحونها، على بقائه في الحضيض و عيشه في الدناءة. ويصنعون للغرض نفسه، باستغلال “مؤسسات” الدولة، أشخاصا يطيعون أوامرهم ويستلذون طلباتهم، و يستأجرون من يتحدث بلسانهم و يروج أفكارهم،  فلا الوطن يهمهم ولا المواطنون.

و في الختام، إن العيش الكريم حق، و النضال من أجله واجب، فالشعوب تواقة إلى الحرية و الديموقراطية، و إلى العدالة و التنمية الشاملة، غير أن من فضل المكوث تحت الوصاية واختار الحياة في الذل و المهانة، و ينتظر تعليمات الأسياد، فله ذلك، على أن يخلو سبيل الأحرار، و لا يعرقل سير النضال. فالوطن يسع لكل الإتجاهات والأطياف.

 

الغازي الكبير

أغبالو في 30/5/2017

Share Button

عن ميدلت أونلاين / متابعة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

انثر جرحك

اُنْثُر جُرْحك مع الريح لا تدعه يسكنك فهو ليس عابر سبيل ليرضى بالرحيل لا يهمه ...

في ذكرى ظهير إحداث محاكم القضاء العرفي

لحسن أمقران تحل اليوم الذكرى السابعة والثمانون على صدور ظهير إحداث محاكم القضاء العرفي في ...

الدراسات الأمازيغية وسوق الشغل

بقلم: ذ لحسن أمقران بعد قرابة عقد من الزمن على إدراج الدراسات الأمازيغية ضمن التخصصات ...